تتزامن الذكرى السنوية لتأسيس مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية مع تحولات معقدة في المشهد الإعلامي العراقي. تراجعت وتيرة العنف الجسدي المباشر في السنوات الأخيرة لصالح استراتيجيات تضييق تعتمد على المسارات القانونية والتشريعية. تمثل هذه الذكرى فرصة جادة لقراءة وتقييم الأداء الحقوقي للمركز، بناءً على بياناته ومواقفه الرسمية التي وثقت ونبشت في عمق الأزمات التي تواجه صناع الرأي. تحول المركز، عبر التوثيق الميداني والمتابعة القانونية المستمرة، إلى مرجع رئيسي وموثوق يتبع محاولات تقويض حرية التعبير، متجاوزاً بيانات الإدانة التقليدية نحو تفكيك آليات الرقابة الممنهجة والدفاع العملي عن الصحفيين.
رصد استغلال حق التقاضي والدعاوى الكيدية
تكشف القراءة المعمقة لبيانات المركز الصادرة خلال السنوات الماضية عن تركيز دقيق على ظاهرة استغلال بعض المسؤولين لحق التقاضي كأداة للضغط على الصحفيين. يوجه المركز جهوده نحو رصد لجوء شخصيات سياسية ومسؤولين تنفيذيين إلى رفع دعاوى كيدية، مستغلين بعض المواد الفضفاضة في قانون العقوبات العراقي المتعلقة بالتشهير، مع تأكيد المركز الدائم في بياناته على الثقة العالية بالقضاء العراقي كحصن أخير لحماية الحريات وردع التعسف.
وثقت بيانات “النخيل” كيف توظف هذه الشخصيات العامة تلك الدعاوى كوسيلة لاستنزاف الصحفيين الاستقصائيين مادياً ونفسياً. يشير المركز بوضوح إلى أن الهدف من إغراق الكفاءات الإعلامية في المراجعات القانونية يتمثل في فرض رقابة ذاتية تمنع كشف ملفات الإخفاق العام، محذراً من محاولات بعض المتنفذين تحويل النصوص القانونية إلى أدوات ترهيب تصادر حق المواطن في المعرفة والاطلاع على الحقائق.
مواجهة التشريعات المقيدة وتقييد الفضاء الرقمي
شكلت مشاريع القوانين المتعلقة بتنظيم الفضاء الرقمي وحرية التعبير محوراً مركزياً في تحركات المركز.
تصدرت بيانات “النخيل” المشهد الرافض لتمرير مسودات قانون الجرائم المعلوماتية وقانون حرية التعبير بصيغتها الحالية. اعتمد المركز في نقده على تفكيك المصطلحات الفضفاضة الموجودة في تلك المسودات، مؤكداً عبر أوراقه التحليلية أن هذه العبارات صيغت لتكون أداة طيعة لتقييد المدونين والصحفيين، وتتعارض بشكل صريح مع المعايير الدستورية والمواثيق الدولية الضامنة لحرية التعبير.
مناهضة الإفلات من العقاب وحماية حقوق الضحايا
يحتل ملف “الإفلات من العقاب” مساحة واسعة في الخطاب الرسمي لمركز النخيل. يحرص المركز في بياناته الدورية على استذكار ضحايا الكلمة الحرة من الصحفيين العراقيين الذين فقدوا حياتهم خلال تغطية النزاعات أو بسبب أعمال التصفية. يطالب المركز باستمرار بضرورة فتح التحقيقات المغلقة، وتقديم الجناة إلى العدالة، مشدداً على أن استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب يمثل رسالة سلبية تشجع على استمرار استهداف العاملين في الحقل الإعلامي وتضعف من سيادة القانون.
التصدي للابتزاز الإلكتروني وحماية الصحفيات
أفردت بيانات المركز مساحة خاصة للتهديدات الناشئة في الفضاء الرقمي، وفي مقدمتها حملات الابتزاز الإلكتروني والجيوش الإلكترونية التي تستهدف تصفية الصحفيين معنوياً. ركز “النخيل” بشكل خاص على التحديات المضاعفة التي تواجهها الصحفيات العراقيات، حيث وثق المركز تعرض العديد منهن لحملات تشويه ممنهجة وتهديدات تمس حياتهن الشخصية والمهنية. طالب المركز مراراً بتوفير بيئة عمل آمنة للصحفيات، وتشديد الإجراءات القانونية ضد الجهات التي تقف خلف حملات التشهير المنظمة.
مراقبة الأداء التنظيمي وضمان الاستقلالية
لم يغب الأداء التنظيمي للمؤسسات المعنية عن رصد المركز، حيث خصص اهتماماً لتقييم لوائح وقرارات هيئة الإعلام والاتصالات. انتقد المركز في بيانات رسمية عدة توجيهات للهيئة اعتبرها تدخلاً مباشراً في صلب العمل التحريري للقنوات والمنصات. حذر “النخيل” من تحول الهيئات التنظيمية إلى أدوات تُستخدم لمعاقبة وسائل الإعلام الناقدة، إما عبر التلويح بسحب التراخيص أو بفرض غرامات مالية، داعياً لضمان استقلالية هذه الهيئات عن التأثيرات والضغوط السياسية.
الانتهاكات الميدانية وشمولية الرصد
على الصعيد الميداني، حافظ المركز على إصدار إحصاءاته الدورية التي ترصد حالات المنع من التغطية، مصادرة المعدات، والاعتداءات المباشرة من قبل بعض عناصر الأجهزة الأمنية. تميزت بيانات المركز بالشمولية الجغرافية، حيث امتد الرصد والتوثيق ليشمل الانتهاكات المتصاعدة في محافظات إقليم كردستان وباقي المحافظات العراقية، مسلطاً الضوء على التفاوت في بيئة العمل الصحفي وحجم التضييق الذي يتعرض له المراسلون في التغطيات اليومية بعيداً عن العاصمة.
ومع طي عام آخر من عمله، يقف مركز النخيل أمام مشهد إعلامي لا يزال قيد التشكيل، تتجاذبه النصوص الدستورية الضامنة للحريات من جهة، والممارسات التنفيذية والتشريعية المقيدة من جهة أخرى. ما توثقه بيانات المركز ومساراته القانونية يشكل أرشيفاً حياً لاختبار مدى التزام مؤسسات الدولة بحماية حرية التعبير وتوفير بيئة آمنة للعمل الصحفي. وفي ظل بقاء مشاريع القوانين الجدلية معلقة في أروقة البرلمان، واستمرار لجوء بعض الشخصيات العامة إلى محاكم النشر، تتجه الأنظار نحو قدرة المراصد الحقوقية على إدامة المتابعة القانونية والتوثيق الميداني. ويبقى الرهان الفعلي معقوداً على ترسيخ سوابق قضائية تحمي الكلمة، وإقرار تشريعات تنظم المهنة دون مصادرتها.

