كشف النائب الثاني لرئيس البرلمان، فرهاد الأتروشي، عن تفاصيل دقيقة رافقت حملة الاعتقالات الأخيرة ضمن “صولة الفجر”، مسجلاً عتباً شديداً على الحكومة ورئاسة مجلس النواب لتغييبه عن قرارات رفع الحصانة، ومحذراً من التداعيات الخطيرة للاستئثار بالقرار السياسي على تمرير القوانين واستكمال الكابينة الوزارية. جاءت هذه التصريحات خلال مقابلة متلفزة للأتروشي في برنامج “حوار مع زينب ربيع”، ناقش فيها الملفات السياسية والأمنية، بدءاً من صراع الإرادات داخل قبة البرلمان، وصولاً إلى المرجعية الدستورية لشرعية البيشمركة.
صولة الفجر.. تنسيق أمني يقابله غياب للشفافية
وفي تفاصيل الحدث الأبرز المتمثل بحملة “صولة الفجر”، أكد النائب الثاني لرئيس البرلمان وجود تنسيق عالٍ وتوجيه سياسي واضح من قيادة إقليم كردستان للتعاون المطلق مع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في هذا الملف. وأوضح الأتروشي أن أربيل لم تكن على علم بساعة الصفر أو بالتفاصيل الدقيقة للعملية لمنع هروب المطلوبين، كاشفاً أن عدد النواب المعتقلين في الإقليم بلغ ثلاثة نواب، وأن تواجدهم في أربيل تصادف مع الحملة ولم يكن بغرض الهرب. ورغم دعمه المطلق للحملة، وجه الأتروشي انتقاداً لاذعاً للحكومة والسلطة القضائية لعدم الخروج ببيانات رسمية توضح مجريات الأمور للمواطنين عقب الاعتقالات، مما خلق حالة من الضبابية، مشدداً في الوقت ذاته على أن أربيل لن تكون يوماً ملاذاً للفاسدين أو الإرهابيين.
مفهوم الفساد الشامل والقصور الرقابي
وفي معرض تفكيكه لظاهرة الفساد، دعا الأتروشي إلى توسيع النظرة وعدم حصر الفساد في سرقة الموازنات المالية أو قطاعي النفط والطاقة فحسب، بل يجب تسليط الضوء على الفساد السياسي المتمثل ببيع المناصب والمقاعد في مزادات علنية داخل وخارج البلاد. كما حذر من التلاعب الخطير في ملفات العقارات وهيئة الاستثمار التي باتت تشكل باباً واسعاً للهدر المالي واقتصاديات الأحزاب. وانتقد الأتروشي بشدة تبرير بعض المسؤولين بضعف الدور الرقابي لمجلس النواب، مؤكداً أن الرقابة تبدأ من داخل السلطة التنفيذية نفسها، متسائلاً عن غياب دور الوزراء المعنيين ورؤساء الحكومات السابقة والجهات الرقابية الداخلية طوال السنوات التي تضخمت فيها ثروات وكلاء الوزارات والمديرين العامين المتورطين.
تشظي البرلمان وأزمة الكابينة الوزارية
تطرق النقاش إلى الانقسام الحاد داخل مجلس النواب وتأثيره على العملية السياسية، حيث أعرب الأتروشي عن امتعاضه الشديد من الاستئثار بالقرار داخل هيئة رئاسة البرلمان، مبيناً أن استبعاده وتغييبه عن قرارات حيوية مثل رفع الحصانة عن النواب أو إدارة الجلسات يمثل انحيازاً سياسياً يتنافى مع الدور الدستوري لرئاسة المجلس. وأكد أن هذا التشظي الذي ضرب المكونين السني والشيعي امتد تأثيره ليعرقل استكمال الكابينة الوزارية، موضحاً أن الحزب الديمقراطي لا يزال متمسكاً بمرشحه لوزارة الإعمار والإسكان رغم الاعتراضات التي وصفها بالسياسية البحتة، مشدداً على أن الكرة الآن في ملعب رئيس الوزراء لتقديم أسماء المرشحين للوزارات الشاغرة وعرضها للتصويت. وحول تمرير قوانين جدلية كقانون الجرائم المعلوماتية تزامناً مع الصولة، بين الأتروشي أنه تحفظ على إدراج القانون في هذا التوقيت الحساس كي لا يُفهم كمسعى من النواب لتحصين أنفسهم من النقد، رغم إقراره بأهمية تنظيم الفضاء الرقمي لمنع التجاوزات.
الاستهداف المزدوج وحقيقة التهديدات الإقليمية
وفيما يخص الملف الأمني والاستهداف الذي طال أربيل والسليمانية بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن، اعتبر الأتروشي أن هذا التوقيت كان محاولة صريحة ومكشوفة لإحراج الحكومة الاتحادية وإفشال مساعيها في توقيع عقود مع شركات الطاقة الأجنبية. وعلى صعيد آخر، فند الأتروشي بشكل قاطع تصريحات وزير الخارجية الإيراني حول استخدام أراضي الإقليم لتهديد أمن طهران، مؤكداً، بشهادة كافة القيادات الأمنية الاتحادية، أنه لم تنطلق رصاصة واحدة أو يتسلل شخص واحد من الإقليم باتجاه الأراضي الإيرانية، معتبراً تلك التصريحات مجرد ذرائع غير مبررة.
شرعية البيشمركة وحصر السلاح
واختتم الحوار بملف حصر السلاح بيد الدولة والمطالبات بشمول قوات البيشمركة بهذا الحصر، حيث تصدى الأتروشي لهذه الطروحات بمرجعية دستورية صارمة. وأكد أن البيشمركة ليست فصيلاً مسلحاً خارجاً عن القانون، بل هي منظومة أمنية رسمية تمثل حرس الإقليم وتمتلك شرعيتها من الدستور العراقي، إلى جانب عمقها التاريخي واعتراف كافة الحكومات الاتحادية المتعاقبة بها كجزء لا يتجزأ من المنظومة الدفاعية للعراق.

