تناول برنامج “واحد سياسة” الذي تقدمه الإعلامية آن صلاح، أبعاد وتفاصيل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. وناقش ضيوف الحلقة، القيادي في تيار الخط الوطني حامد السيد والمحلل السياسي عماد المسافر، مسار العلاقات العراقية الأمريكية في ضوء المتغيرات الحالية، وبحثوا ملفات شائكة ترتبط بحصر السلاح بيد الدولة، وحجم التدخلات الإقليمية، وتوقيع مذكرات التفاهم مع دمشق، وصولاً إلى تقييم حملات الاعتقال الأخيرة التي طالت شخصيات سياسية متهمة بالفساد ضمن عملية “صولة الفجر”.
أبعاد الزيارة ورسائل واشنطن
بدأت الحلقة بتسليط الضوء على حفاوة الاستقبال الأمريكي، حيث وصف الرئيس الأمريكي ترامب رئيس الوزراء علي الزيدي بأنه شاب وسيم وقائد رائع ومحارب شجاع سيبقى طويلاً في منصبه. وفي هذا السياق، أوضح المحلل السياسي عماد المسافر أن المؤتمرات الصحفية غالبا ما تتسم بالمجاملات، وأن الاتفاقيات، سواء كانت نفطية أو أمنية أو تكنولوجية في مجال الذكاء الاصطناعي، تظل حبراً على ورق ما لم تطبق فعلياً على أرض الواقع.
أشار المسافر إلى أن رؤساء الوزراء السابقين، كالجعفري في مرحلة الحرب الطائفية، والمالكي خلال حرب داعش، والعبادي في ظل التعقيدات الاقتصادية، زاروا واشنطن في ظروف مختلفة، لكن التدخل الأمريكي مستمر بفرض الهيمنة، كاحتكار شركة جنرال إلكتريك لقطاع الكهرباء منذ عام 2003، وهو ما يعتبره ورقة ضغط سياسية لإبقاء أموال العراق رهينة بيد الفيدرالي الأمريكي.
في المقابل، اعتبر القيادي في تيار الخط الوطني حامد السيد أن الزيارة تحمل طابعاً اقتصادياً واستثمارياً بحتاً يتوافق مع العقلية الترامبية. وبين أن الولايات المتحدة، بعد أن تبدد نفوذها في عهد الديمقراطيين وانهار في عهد بايدن، باتت تنظر إلى العراق كفرصة استثمارية، متجاوزة مسألة فرض شروط سياسية معقدة كتحجيم النفوذ الإيراني المباشر، طالما أن مصالحها غير مهددة.
أكد السيد أن قوى سياسية بارزة داخل الإطار التنسيقي بدأت تتبنى مواقف براغماتية ترحب بالاستثمار الأمريكي وتمنحه مئات الآلاف من البراميل لتعزيز الاحتياطي النفطي الأمريكي إذا كان يصب في مصلحة العراق، مما يمثل مراجعة للمواقف المانعة السابقة.
عباءة النفوذ والسيادة المنقوصة
وفيما يتعلق بخروج العراق من العباءة الإيرانية، رفض عماد المسافر هذا التوصيف، مشدداً على أن التدخلات الخارجية ليست مقتصرة على طهران، بل تشمل دولاً أخرى كقطر وتركيا. واستشهد المسافر بتدخلات منعت تعيين الراحل أحمد راضي كوزيراً للرياضة إثر اتصال قطري، وتدخلات أخرى لوزارة الدفاع التركية في التشكيلة الحكومية.
تساءل المسافر عن سبب تسليط الضوء الدائم على النفوذ الإيراني وتجاهل التدخلات الخليجية، مؤكداً أن الروابط العقائدية ومراقد أهل البيت والجغرافيا تخلق تقارباً لا يمكن إنكاره، وأن إيران ساعدت العراق إبان هجوم داعش بينما كانت أمريكا تسهل دخولهم بالطائرات والأقمار الصناعية لترسم شرق أوسط جديد، كاشفاً أن القطريين والإماراتيين أرادوا جعل العراق ساحة مواجهة لتجارة الأسلحة.
من جانبه، شدد حامد السيد على أن العراق يجب أن يتعامل مع جميع الدول من منطلق الندية ودولة مقابل دولة بما يحقق مصالحه. وضرب مثلاً بسلطنة عمان التي تقيم علاقات متوازنة وتحفظ مصالح طهران دون التنازل عن سيادتها ودون أن تكون ساحة للمناوشات، داعياً القوى السياسية إلى التخلص من عقدة الاستتباع للخارج، ومؤكداً أن واشنطن وطهران لا تفرضان إرادتهما بالقوة، بل إن بعض الأطراف السياسية الداخلية هي من ترهن قرارها للخارج من أجل مصالحها الحزبية الضيقة.
إشكالية الرد الدبلوماسي على ترامب
سجل عماد المسافر عتباً صريحاً على رئيس الوزراء علي الزيدي لعدم رده المباشر على تجاوزات ترامب في المؤتمر الصحفي بحق قادة النصر، أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني، وتوصيفه لهما بالسيئين. واعتبر المسافر أن التبرير الدبلوماسي للزيدي بأنه لم يكن في السياسة آنذاك غير كافٍ، مؤكداً أن الأمة التي تقدم المصالح على دماء شهدائها هي أمة ميتة، وكان حرياً بالزيدي الدفاع عن رموزه الوطنية الذين قاتلوا داعش.
في حين رأى حامد السيد أن الموقف الشيعي السياسي لو كان جاداً في طرد القوات الأمريكية لاستثمر الأغلبية النيابية لتعديل اتفاقية الإطار الاستراتيجي بدلاً من الاكتفاء بقرارات برلمانية غير ملزمة بغية امتصاص الغضب الجماهيري فقط، مذكراً بفوضى التيار الصدري في البرلمان اعتراضاً على الاتفاقية آنذاك.
تسليم السلاح وموعد الانسحاب الأمريكي تطرق الحوار إلى ملف الفصائل المسلحة، ككتائب حزب الله والنجباء، وتحديداً التزامها بتسليم سلاحها بعد موعد الانسحاب الأمريكي المرتقب في 30 أيلول. أكد المحلل السياسي عماد المسافر أن السلاح ليس حالة ترفيهية، وأن خروج القوات الأمريكية التي يراها المواطن قوات احتلال تخترق الأجواء وتقصف القطاعات، سيمهد الطريق لإنهاء عسكرة الفصائل، مشترطاً عدم استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية في حال نشوب مواجهة أمريكية إيرانية مستقبلاً.
بينما استنكر حامد السيد رفع السلاح بعناوين ورايات فصائلية، مبيناً أن ذلك يشكل انتهاكاً لمؤسسات الدولة التي يحق لها وحدها تحديد ماهية الوجود الأجنبي. وأوضح أن المقاومة الحقيقية يجب أن تنصر المستضعفين وتطالب بتوفير الكهرباء وحماية سكان العشوائيات وبيوت الصفيح المتهالكة في منطقة العبيدي وغيرها، وليس استغلال العنوان لنهب الملك العام والخاص والتجاوز على أراضي المواطنين في منطقة الجادرية، مشدداً على ضرورة تطبيق القانون بحزم.
مذكرة سوريا من واشنطن وحملات صولة الفجر
ناقش ضيفا البرنامج توقيع مذكرة تفاهم بين العراق وسوريا في واشنطن بحضور توم باراك. اعتبر حامد السيد أن هذه الاتفاقية فرصة ممتازة لتأمين منفذ للعراق على البحر المتوسط كبديل استراتيجي عن مضيق هرمز، مشيراً إلى أن توقيعها على هامش الزيارة يمنحها مركزية وأهمية قصوى. وتطرق إلى أن سوريا تواجه ضغوطاً صهيونية عبر اختراقات أمنية، كالاختراق الذي رافق زيارة ماكرون، لإجبارها على التدخل ضد حزب الله، مثمناً موقف حكومة الشرع في دمشق بالنأي بنفسها عن هذا الصراع.
في محور مكافحة الفساد، تناول الحوار صولة الفجر وحملات الاعتقال التي ضبطت ملايين الدولارات وكيلوغرامات الذهب بحوزة شخصيات سياسية. أبدى المسافر دعمه المطلق للقضاء ولتطبيق القانون على أي شخص يثبت تورطه، مشيراً إلى أن شخصيات كعالية نصيف وأحمد الأسدي تخضع للإجراءات القانونية ولا يصح لأحد الاحتماء خلف يافطة المقاومة للتهرب من العدالة.
من جهته، دعا حامد السيد رئيس الوزراء إلى عدم الرضوخ لاشتراطات ائتلاف إدارة الدولة والإطار التنسيقي التي طالبت في اجتماعاتها الأخيرة بتخفيف حملة الملاحقة وقصرها على شخصيات بعينها مثل مثنى السامرائي وعدم استهداف الزعامات الكبرى، مطالباً باستمرار الصولة بوهجها القوي الذي يشبه دبابة الأبرامز لضرب جميع حيتان الفساد.
