سامان داود

يقف المشهد العراقي اليوم على أعتاب تحول مفصلي، يؤسس لعهد جديد تُرسى فيه دعائم دولة المؤسسات وتُعلى فيه كلمة القانون. وما هذا الحراك القانوني الحازم الذي تتصدره السلطات في راهننا سوى استجابة عميقة لنداء شعبي وتاريخي أطلقه العراقيون بشتى أطيافهم، إيذاناً بطي صفحة الإفلات من العقاب إلى غير رجعة.

طوال عقود خلت، تربع ملف الفساد على قمة الأزمات المستعصية في جسد الدولة، تغذيه شراهة النزيف المالي، وتُرسخ أركانه أوهامٌ سادت طويلاً مفادها أن المظلات السياسية وشبكات النفوذ تمتلك من المناعة ما يكبح ذراع العدالة ويقصيها عن دوائر القرار. بيد أن التحركات الوثابة للحكومة العراقية برئاسة “علي الزيدي”، وفي تناغم مشهود مع السلطة القضائية، جاءت لتبدد تلك الأوهام وتبرهن بوضوح جلي على أن الإرادة الوطنية الخالصة قادرة على دكّ حصون الفاسدين، وإعمال سيف القانون على رقاب الجميع من دون محاباة أو استثناء.

ويمثل هذا التلاحم العضوي بين الأجهزة التنفيذية والأمنية من جهة، ومحراب القضاء من جهة أخرى، حجر الزاوية في الرؤية الاستراتيجية لاسترداد هيبة الدولة وصون مقدراتها. وفي خضم هذه المواجهة، ينتصب القضاء العراقي المستقل والنزيه حصناً منيعاً وملاذاً أخيراً للعدالة، متكفلاً بردع المدانين بالحجة الدامغة والدليل الساطع، مع الحفاظ في الوقت عينه على صيانة الحقوق والحريات في كنف الضمانات الدستورية.

ولعل ما يؤكد اتساع رقعة هذه الجراحة الرقابية وعمق أثرها، تواتر الأنباء عن قائمة مرتقبة تضع نحو ألف شخصية، من شتى المفاصل السياسية والوظيفية، تحت طائلة المساءلة والتحقيق في قضايا استنزاف المال العام. إن خطوة بهذه الجرأة تفضح حجم التركة الثقيلة التي أثقلت كاهل مؤسسات الدولة، وتحمل في طياتها دلالات استراتيجية قاطعة؛ أولها إسقاط نهج الانتقائية في التعاطي مع الفساد، والتوجه نحو تفكيك هذه المنظومة الهيكلية المتشابكة برمتها، بمعزل عن سطوة المتهمين أو ثقل انتماءاتهم. وثانيها، تجلي متانة المؤسسات الرسمية واقتدار الأجهزة الرقابية على خوض غمار ملفات شديدة التعقيد باحترافية وتجرد، رغم تقاطع المصالح واشتداد الضغوط. وفوق هذا وذاك، توجيه رسالة سيادية صارمة للداخل والخارج تؤكد استعادة الدولة لزمام المبادرة، وامتلاكها القوة الرادعة لحراسة ثروات الأمة.

وفي جوهر الأمر، تخوض الدولة العراقية الحديثة في هذه الأيام معركة وجود حقيقية. ويظل الرهان الأكبر في إنجاح هذا الحراك الإصلاحي معقوداً على ديمومته واتساع نطاقه وصولاً إلى غاياته الكبرى، متجاوزاً زخم الانطلاقة الأولى. وتستوجب هذه المرحلة المفصلية اصطفافاً شعبياً وسياسياً استثنائياً يشد من أزر الحكومة والقضاء، ويوفر غطاءً وطنياً منيعاً يحمي المؤسسات الرقابية ويُعبد الطريق أمام مساعيها.

ولتكن الرسالة الموجهة إلى صناع القرار بينة لا لبس فيها؛ فمكافحة الفساد مشروع وطني مستدام ونهج راسخ يقتضي الحزم والضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه استباحة المال العام، متجاوزة كونها محض حملات طارئة أو مسكنات لتنفيس الاحتقان. والمضي قُدماً في هذا المسار الصارم يمثل السبيل الأوحد لترميم جسور الثقة التي تصدعت طويلاً بين المواطن ومؤسسات دولته.

لقد تلاشت تلك الحقبة التي كانت تُقاس فيها منعة الدول ببريق التصريحات ورنين الشعارات، ليحل محلها معيار القدرة الفعلية على إنفاذ القانون بعدالة وتجرد. وبهذه الخطوات الوثابة، يطوي العراق صفحة الماضي ليشرع أبواب مرحلة سياسية ومجتمعية قوامها “المواطنة والمساواة أمام القضاء”، مؤسساً لغدٍ يعانق طموحات العراقيين ويرسخ دعائم الاستقرار في ربوع وطنهم.

في المحصلة، يغدو العبور بالعراق نحو شاطئ الأمان المؤسساتي قدراً وطنياً وحتمية تاريخية لا تقبل المساومة أو التراجع. وأمام هذا المنعطف الاستثنائي، تتناسل تساؤلات جوهرية تضع الجميع أمام اختبار الحقيقة ومسؤولية اللحظة: هل تمتلك هذه الصحوة القانونية نَفَس المطاولة لاختراق المعاقل العميقة لقوى النفوذ التي ستستميت حتماً دفاعاً عن مكتسباتها؟ وهل نشهد اليوم مخاضاً حقيقياً لعقد اجتماعي يطوي صفحات التخادم ويعيد صياغة جوهر الدولة، أم أننا إزاء جولة أولى في حرب ضروس ستدفع فيها مراكز القوى بكل أوراقها المضادة لإفشال هذا المسار؟ الأيام وحدها كفيلة بفك طلاسم المرحلة والإجابة عن هذه الهواجس، غير أن اليقين الثابت يتمثل في دوران عجلة العدالة، إيذاناً بطي صفحة مظلمة وتأسيس غدٍ يحكمه ميزان القانون.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version