سامان داود
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية في الآونة الأخيرة تحولاً جذرياً نحو واقعية سياسية صلبة، غادرت بموجبها واشنطن مربع “التبشير بالقيم الديمقراطية” لترسو عند شواطئ البحث عن الاستقرار بأي ثمن. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في نهج إدارة ترامب والتوجهات الحالية في واشنطن، التي مالت ببراغماتية صريحة نحو دعم الأنظمة المركزية —سواء كانت ملكية أو ديكتاتورية أو حتى ثيوقراطية— انطلاقاً من قناعة راسخة بأن هذه الأنظمة أيسر في التعامل، وأكثر قدرة على التنبؤ بسلوكها مقارنة بالديمقراطيات الناشئة التي غالباً ما تتسم بالسيولة وعدم اليقين.
بالنسبة لصانع القرار الأمريكي، لم تعد الديمقراطية في مناطق التوتر حول العالم أداة للاستقرار، بل تحولت إلى مصدر لما يمكن وصفه بـ “الصداع السياسي” والتعقيدات الجيوسياسية. فالدول التي تعتنق التعددية وتفسح المجال لصعود أصوات شعبية، غالباً ما تكون عصية على التوجيه المباشر؛ إذ تفرض البرلمانات والتيارات المختلفة قيوداً على القرارات الكبرى، مما قد يفرز مواقف وطنية تتقاطع سلباً مع الأجندة الأمريكية. في المقابل، يمثل التعامل مع “رجل واحد” يقود الدولة ميزة استراتيجية كبرى؛ فمن الأسهل بكثير إبرام صفقات أمنية واقتصادية مع سلطة مركزية تختزل قرار الدولة، حيث يمنح هذا “الصوت الواحد” واشنطن ضمانات فورية ومستقرة بعيداً عن ضجيج المعارضة أو تقلبات الرأي العام.
وتعد الحالة الإيرانية النموذج الأبرز لفهم هذا التحول؛ فرغم حدة الخطاب العلني، تشير القراءات العميقة لسياسة ترامب إلى أنه لا يهدف بالضرورة إلى إسقاط النظام أو إحداث تغيير جذري في بنية السلطة، بقدر ما يسعى إلى كسب هذا النظام كحليف وظيفي أو “شريك يتم ترويضه” ضمن صفقة كبرى. تدرك واشنطن أن النظام الإيراني، بتركيبته المركزية، يمتلك القدرة على ضبط الواقع الداخلي، وتكمن الخشية الحقيقية في أن أي انهيار لهذا النظام قد يحول إيران إلى نسخة مكررة من العراق بعد عام 2003، أو سوريا بعد عام 2011. تلك النماذج التي غرقت في أتون التعددية القومية والطائفية والعسكرية، تحولت إلى بؤر استنزفت الموارد الأمريكية وأخلت بالتوازنات الدولية، ولم تعد الولايات المتحدة تملك الرفاهية أو الرغبة في تكرارها.
لقد ولى الزمن الذي كانت فيه مبادئ حقوق الإنسان والحريات الدينية والقومية تشكل بوصلة حقيقية للتحالفات الأمريكية. باتت السياسة الجديدة تكتفي بحد أدنى من “الديكور السياسي”؛ حيث يُطلب من الأنظمة الحليفة صياغة قوانين مدنية شكلية، وإشراك رمزي لبعض الأقليات في مفاصل الحكم لذر الرماد في العيون وإضفاء صبغة من العصرنة الزائفة. هذه المقايضة واضحة وصريحة: “الولاء المطلق وضمان المصالح مقابل غض الطرف عن أدوات القمع”. طالما أن النظام الحليف يحافظ على استقرار الدولة ويحمي الحدود ويضمن تدفق المصالح الحيوية، فلا مانع لدى واشنطن من أن يمارس هذا النظام أقصى درجات السلطوية في ترتيب بيته الداخلي.
في نهاية المطاف، تعكس هذه الرؤية نهاية “الرومانسية السياسية” في واشنطن، حيث يتم استبدال شعارات الحرية بلغة الأرقام والصفقات. الولايات المتحدة اليوم تبحث عن “وكلاء استقرار” يديرون شؤون دولهم بقبضة حديدية، بما يضمن بقاء المنطقة تحت السيطرة دون الحاجة للتدخل المباشر في نزاعات عرقية أو سياسية معقدة. إنها مرحلة جديدة يحكمها منطق “الديكتاتور الحليف”، حيث تصبح الكرامة الإنسانية مجرد تفصيل هامشي أمام برودة المصالح الاستراتيجية الكبرى للدولة التي تقود العالم.
