سامان داود
في عالمٍ يتسم بالترابط العضوي، لم تعد المسافات الجغرافية عائقاً أمام انتقال الأزمات، بل أصبحت الحدود مجرد خطوط وهمية أمام تدفق التداعيات السياسية والأمنية. وإذا كان العالم قد صُدم بكيفية تأثير الحرب في أوكرانيا —التي لا تشترك بحدود مع ألمانيا— على اقتصاديات برلين وأمن الطاقة في أوروبا بأسرها، فإن تساؤلنا حول علاقة العراق بمحيطه الإقليمي يصبح أكثر إلحاحاً وواقعية. إن ما يربطنا بسوريا، وتركيا، والسعودية، والكويت، وإيران، والأردن، ليس مجرد جوار مكاني، بل هو “وحدة مصير” تجعل من الاستقرار الإقليمي ضرورة وجودية للدولة العراقية.
أولاً: أمن الحدود وتلاشي المسافات
تثبت التجارب التاريخية أن الحرائق التي تندلع في بيوت الجيران لا تلبث أن تصل شرارتها إلى عقر دارنا.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الضعف الأمني في أي دولة مجاورة يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العراقي.
مثال التمدد الإرهابي: إن تجربة عام 2014 القاسية شاهدة على ذلك؛ حيث لم يكن تنظيم “داعش” جسماً غريباً هبط من الفضاء، بل كان نتاجاً لتداخل الساحات، حيث استغل التنظيم حالة السيولة الأمنية في سوريا ليعبر الحدود ويجتاح مدناً عراقية كاملة، مهدداً كيان الدولة.
مثال الجريمة العابرة للحدود: تعاني المجتمعات اليوم من تدفق السموم (المخدرات) التي تعبر الحدود من دول الجوار، وهي حرب صامتة تستهدف البنية الاجتماعية، وتؤكد أن أي انفلات إداري أو أمني لدى الجيران يتحول فوراً إلى خطر يداهم البيوت العراقية.
ثانياً: معضلة السيادة والموارد الحيوية
يرتبط أمن العراق القومي بملفات سيادية حيوية تقع مفاتيحها خارج حدوده، مما يجعل الانعزال عن شؤون الجوار ضرباً من الخيال.
الأمن المائي: يعتمد العراق تاريخياً على نهري دجلة والفرات، واللذين ينبعان من تركيا ويمران بسوريا وإيران. إن أي مشروع سدّ أو تحويل لمسارات المياه خلف الحدود يترجم فوراً كجفاف وتصحر في البصرة وذي قار وميسان، مما يؤدي إلى موجات نزوح داخلي وصراعات عشائرية على الموارد.
التدخل العسكري المباشر: التواجد العسكري التركي في شمال العراق، بذريعة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني، يحول الأرض العراقية إلى ساحة حرب مفتوحة، ويجعل السيادة الوطنية تحت اختبار دائم بسبب صراعات إقليمية لم نكن طرفاً أصيلاً فيها.
ثالثاً: التداخل الاجتماعي والاستقطاب العاطفي
من أخطر وجوه التأثر هو “الاشتباك الوجداني”؛ فالمجتمع العراقي، بتركيبته المتنوعة، يتفاعل بشكل لحظي مع أحداث المنطقة.
خطاب الكراهية والانقسام: أي أزمة سياسية أو مذهبية في إيران أو السعودية أو سوريا تنعكس فوراً على الشارع العراقي في شكل استقطاب حاد. وتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات حرب كلامية تذكيها الانتماءات العابرة للحدود، وقد يتطور هذا الشحن العاطفي إلى اشتباكات ميدانية وأعمال عنف دفاعاً عن أطراف خارجية، مما يهدد السلم الأهلي الهش أصلاً.
رابعاً: الارتباط الاقتصادي والمنظومة العالمية
لا يمكن فصل الاقتصاد العراقي عن محيطه؛ فالعراق يعتمد بشكل شبه كلي على ريع النفط الذي يمر عبر ممرات مائية وقنوات دولية.
أمن الطاقة والممرات: أي تهديد للملاحة في الخليج العربي أو مضيق هرمز نتيجة توتر بين إيران والقوى الدولية يضع ميزانية العراق في مهب الريح.
التبادل التجاري: يعتمد السوق المحلي العراقي على السلع المستوردة من تركيا وإيران والأردن؛ وبالتالي فإن أي انهيار في العملات المحلية لهذه الدول أو فرض عقوبات اقتصادية عليها ينعكس غلاءً في المعيشة وضغطاً معيشياً على المواطن العراقي البسيط.
الخلاصة
إن واقع الحال يؤكد أننا نعيش في “بيت من زجاج” وسط منطقة تموج بالاضطرابات. إن الادعاء بأننا غير معنيين بما يحدث وراء الحدود هو انتحار سياسي؛ فالدول المجاورة تساهم بشكل مباشر، سلباً أو إيجاباً، في تشكيل مستقبلنا. استقرار العراق يبدأ من قدرته على انتهاج سياسة خارجية ذكية، تحول الجوار من “مصدر تهديد” إلى “شريك استراتيجي”، وتدرك أن أمن بغداد يمر حتماً عبر استقرار دمشق وطهران والرياض وأنقرة وعمان والكويت.
