سامان داود
يوثق الكاتب حسو هورمي في كتابه “لمحات من حياة الأمير تحسين سعيد علي بك” مرارة حقيقية عاشها أمير الديانة الإيزيدية الراحل، حين دوّن في مذكراته كيف صودرت الإرادة السياسية للإيزيديين بقسوة. يشير الأمير بوضوح إلى أن القوى الكردية منعت أبناء ديانته من نيل استحقاقهم السياسي المستقل متذرعة بأنهم “كرد القومية”. هذه المكاشفة لا تمثل سرداً لماضٍ عابر، بل تشكل المدخل الدقيق لفهم جذور التبعية التي كبّلت هذا المكون؛ فبعد التحولات التي شهدها العراق عام 2003 وزوال حكم حزب البعث، وجد الإيزيديون أنفسهم أسرى لمعادلات حزبية جديدة أحكمت قبضتها على قرارهم وصادرت تطلعاتهم الوجودية.
تاريخياً، قوبلت هذه الهيمنة بمحاولات حثيثة لكسر الحصار، برزت أولاها مع “الحركة الإيزيدية من أجل الإصلاح والتقدم”، التي طرحت مساراً سياسياً يعبر عن كينونة إيزيدية خالصة. ينطلق هذا التوجه من حقيقة يفرضها الواقع، بعيداً عن أي عداء للكرد الذين يمثلون شركاء تجمعهم بالإيزيديين تقاطعات تاريخية وثقافية ولغوية معقدة. يمتلك الإيزيدي هوية اجتماعية وسياسية مستقلة تستوجب تمثيلاً حقيقياً يعكس تطلعاته ويرفض الذوبان في الهويات الأكبر.
مسؤولية هذا التغييب تتجاوز أربيل لتقع بوضوح على عاتق بغداد أيضاً. أسهمت القيادات السياسية المتعاقبة في المركز بتهميش هذا المكون الأصيل استجابةً لحسابات المحاصصة الطائفية والقومية. ومع مطلع عام 2010، اتخذ التهميش أبعاداً أشد خطورة؛ إذ تحولت مناطق سنجار وسهل نينوى إلى ساحات صراع مفتوحة صُنفت كـ “مناطق متنازع عليها”، ليصبح القرار الإيزيدي بشقيه الإداري والأمني ورقة مساومة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
بلغ هذا الخذلان ذروته المأساوية في الثالث من آب 2014، حين انسحبت القوات الماسكة للأرض فجأة، وتُرك الإيزيديون فريسة لآلة الإبادة التابعة لتنظيم داعش الإرهابي. شكلت تلك الفاجعة صدمة عنيفة أيقظت الوعي الجمعي، ورسخت حقيقة قاطعة تفيد بأن غياب القرار السياسي المستقل يشكل تهديداً وجودياً مباشراً، وأن الارتهان للأجندات الخارجية ثمنه الدم والأرض.
وفي مرحلة ما بعد تحرير سنجار، دخل المشهد الإيزيدي استقطاباً حاداً، وتحولت مأساة المكون إلى ورقة ضغط محلية ودولية. أُبرمت “اتفاقية سنجار 2020” في غرف مغلقة مغيبةً أصحاب الشأن والأرض، وتزامنت مع استغلال الأحزاب الكبرى لثغرات نظام “الكوتا” الانتخابية للاستحواذ على المقاعد عبر التوجيه الحزبي المنظم.
وسط هذا الانسداد التاريخي، برز “تحالف القضية الإيزيدية” كضرورة حتمية لجمع الشتات وصياغة خطاب موحد يدافع عن الشريك الوطني الأصيل. تُرجم هذا الحراك عملياً في انتخابات مجلس النواب العراقي في تشرين الثاني 2025، محققاً اختراقاً سياسياً بحصد قرابة 50 ألف صوت إيزيدي نقي. شكلت هذه الأصوات استفتاءً حقيقياً على رفض الوصاية، ومكنت التحالف من انتزاع مقعد برلماني بقوة الإرادة الحرة، لتؤكد قدرة المجتمع الإيزيدي على تنظيم نفسه وحماية استحقاقاته الدستورية بأدواته الخاصة.
أثبت الإيزيديون قدرتهم على النجاة من الإبادة وخوض معركة الإرادة السياسية بصلابة، محولين الذاكرة الجريحة إلى مظلة وطنية تصنع المستقبل. غير أن هذا التحرر الناشئ يضع المشهد أمام تساؤلات ملحة تتطلب إجابات مؤسساتية شجاعة: كيف يمكن حماية هذا المنجز إن بقيت القوانين الانتخابية تتيح اختطاف مقاعد الكوتا بأصوات من خارج المكون؟ وما الجدوى الفعلية من التمثيل البرلماني إن لم يقترن بإدارة محلية حقيقية لسنجار وسهل نينوى؟
التجارب العالمية في النظم الديمقراطية الحديثة تقدم أمثلة حية على منح الأقليات والمجموعات الأصيلة حق إدارة مناطقهم، كما هو الحال مع نظام الكانتونات في سويسرا الذي يحمي الأقليات اللغوية، أو تجربة الحكم الذاتي الإداري للسكان الأصليين (الإنويت) في إقليم نونافوت بكندا، حيث تُدار الملفات الأمنية والخدمية بما يحفظ خصوصية تلك المجتمعات ويحميها من هيمنة المركز. فهل ستتمكن النخبة الإيزيدية الشابة من استلهام هذه النماذج لاستثمار التحول الأخير وتأسيس حضور سياسي مستدام، ينتقل بالمكون من خندق المظلومية إلى منصة الشراكة الفاعلة في رسم مستقبل العراق؟.
