في حلقة اتسمت بالسخونة والمكاشفة الصريحة، فتح برنامج “الميدان” الذي يقدمه الإعلامي مقداد الحميدان، ملف زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى العاصمة واشنطن ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. الحوار الذي استضاف نخبة من الباحثين والأكاديميين، غاص في عمق التفاهمات الأمريكية العراقية، مسلطاً الضوء على دلالات لغة الجسد، وشروط واشنطن الثلاثة، وعلى رأسها حصر السلاح بيد الدولة بحلول أيلول المقبل. كما احتدم النقاش حول جدوى مقايضة نصف مليون برميل نفط بصندوق سيادي في ظل بيئة تعج بالفساد، وصولاً إلى استشراف مستقبل العلاقات مع طهران ومدى قدرة بغداد على تبني مشروع وطني خالص يخرجها من التجاذبات المتقاطعة.
لغة الجسد والدبلوماسية الهادئة في مواجهة ترامب
قرأ الباحث الاستراتيجي والعسكري سيف رعد، في تفاصيل اللقاء الأول بين الزيدي وترامب، نجاحاً دبلوماسياً لافتاً، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء تعامل ببيروقراطية صامتة وهدوء بالغ أمام اندفاع وكاريزما الرئيس الأمريكي. وأكد رعد أن الزيدي لم يظهر أي تردد أو انبهار، بل حافظ على ثباته مستهدفاً إيصال رسالة واضحة مفادها أنه جاء لعقد شراكات اقتصادية حقيقية وليس لالتقاط الصور، لافتاً إلى أن لغة جسد ترامب عكست تبنياً سياسياً للزيدي كمشروع في المنطقة. من جانبه، اتفق أستاذ العلوم السياسية أثير إدريس مع هذا الطرح، معتبراً أن الزيدي استطاع الإفلات من فخاخ ترامب بذكاء، ونجح في كسب ود رئيس يوصف في الأوساط الأمريكية بأنه طفل كبير مدلل. وشدد إدريس في الوقت ذاته على ضرورة بناء لوبي عراقي مؤسساتي في واشنطن يبتعد عن المنطلقات الفئوية أو الحزبية، منتقداً استغلال بعض الصحفيين الأكراد للمنابر الدولية لطرح تساؤلات تمثل أحزابهم بدلاً من التحدث باسم العراق كدولة.
الصندوق السيادي.. طوق نجاة أم شرعنة للفساد؟
وفيما يتعلق بالأنباء التي تحدثت عن طرح مبادرة لتخصيص 500 ألف برميل نفط يومياً لصالح صندوق سيادي تستثمر فيه الشركات الأمريكية، برز انقسام حاد بين الضيوف. فقد أبدى أثير إدريس توجساً كبيراً، متسائلاً عن الجهة الرقابية القادرة على حماية هذا الصندوق في بلد تعاني مؤسساته من شلل رقابي وتورط كبار مسؤوليها في ملفات هدر المال العام، مستذكراً فضائح الفساد المليارية المتعلقة بعدنان الجميلي في وزارة النفط، وعبد الفلاح السوداني في وزارة التجارة التي شهدت شراء زيوت تالفة بأعلى من السعر العالمي. وفي المقابل، قلل رئيس مركز الهدف للتحليل السياسي حسين الكناني من جدوى هذه العروض الاستثمارية، معتبراً أن الإدارة الأمريكية تبحث عن مصالحها المادية فقط ولا نية لها في بناء الدولة العراقية. ووصف الكناني الزيارة برمتها بأنها محاولة من الحكومة تنطلق من مبدأ “دفع الضرر أولى من جلب المنفعة” لتجنب العقوبات الاقتصادية، مبدياً شكه العميق في إمكانية وفاء واشنطن بوعودها أو مجيء شركاتها في بيئة غير آمنة.
حصر السلاح بيد الدولة والموعد الحاسم
وشكل موعد الثلاثين من أيلول، المحدد لإنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة، محوراً مفصلياً في النقاش. إذ اعتبر سيف رعد أن هذا الملف يمثل أحد الشروط الأمريكية الثلاثة، إلى جانب منع تدفق الدولار لإيران وتحقيق الاستقلال الطاقوي، مشيداً بجرأة الزيدي الذي استبق المطالب الأمريكية باشتراط انسحاب قواتهم من العراق في الموعد ذاته لتدخل مكانها الشركات الاستثمارية. على النقيض تماماً، وصف حسين الكناني الحديث عن حصر السلاح بأنه “حلم عصافير”، مؤكداً أن الفصائل المسلحة التي واجهت الحكومات السابقة لم ترهبها تهم الإرهاب أو الاعتقالات. وبين الكناني أن هذا الملف المعقد لا يمكن حله بالطريقة “الترامبية” عبر التهديد، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية واعتبار القواعد الأمريكية عبئاً على دول المنطقة.
العلاقة مع طهران ومسارات السيادة العراقية
ولم يغب النفوذ الإيراني عن طاولة “الميدان”، حيث أوضح سيف رعد أن العراق بات يمثل الساحة الأكبر والأهم للحرس الثوري الإيراني والورقة الأخيرة بيده بعد تراجع نفوذه في ساحات أخرى، معتبراً أن طهران تنظر للعراق كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي، ومستدلاً بتصدر بعض قيادات الفصائل العراقية لمشهد التشييع الأخير في طهران قبل قيادات حزب الله والحوثيين. وتأكيداً على عمق هذه الروابط، شدد حسين الكناني على استحالة فك الارتباط مع طهران بحكم الجوار الجغرافي والتداخل العقائدي، منتقداً المحاولات الرامية لسلخ العراق عن محيطه إرضاءً للرغبات الأمريكية. وهنا تدخل أثير إدريس ليؤكد أن العراق يجب أن يتعاطى مع محيطه الإقليمي والدولي انطلاقاً من مصالحه العليا كدولة ذات سيادة، داعياً إلى صياغة مشروع عراقي جديد بعيداً عن التبعية المطلقة سواء لواشنطن أو لطهران، ومطالباً بضرورة إيجاد دعم داخلي صلب من قبل المرجعية الدينية والقوى السياسية المعتدلة والتيار الصدري لضمان نجاح أي تحول استراتيجي جاد.
