في إطلالة تلفزيونية اتسمت بالصراحة العالية والمكاشفة الدقيقة عبر برنامج “مع زينب ربيع”، قدم أمين عام حزب المؤتمر العراقي آراس حبيب، تشريحاً شاملاً للواقع السياسي والاقتصادي في البلاد.
أطلق حبيب تحذيرات جادة من مستقبل مظلم ينتظر العراق ما لم يتم تدارك الأزمات المتراكمة، كاشفاً عن تفاصيل صادمة تتعلق بهدر المال العام وسرقات مليارية في مؤسسات حيوية.
ووضع أمام الرأي العام رؤية استشرافية لمعالجة الخلل البنيوي في النظام السياسي، مشدداً على ضرورة تغيير آليات إدارة الدولة وتفعيل الحضور الدبلوماسي العراقي في مراكز القرار العالمي، ومفاجئاً الأوساط السياسية بتلويحه بخيار الاعتزال والابتعاد عن المشهد الحالي.
عقم سياسي وثغرات دستورية
أوضح آراس حبيب أن خوضه الانتخابات الأخيرة لم ينبع من قناعة مطلقة بجدوى العملية السياسية بصيغتها الراهنة، بل جاء استجابة لضغوط مجتمعية وإحراجات. وبين أن اللهاث خلف نتائج الانتخابات لم يحقق نجاحاً يذكر بسبب الخلل البنيوي والنهايات السائبة في إدارة الدولة.
ورغم إشادته بالدستور العراقي ووصفه بالممتاز، أشر وجود ثغرات جوهرية تسلب المواطن حقه في اختيار ممثليه التنفيذيين، كالمحافظ أو رئيس الوزراء، بشكل مباشر.
ودعا الشارع إلى مراجعة خياراته وقناعاته، مستشهداً بمقولة آينشتاين التي تعتبر تكرار الفعل ذاته بانتظار نتائج مختلفة ضرباً من الجنون.
هوية عقائدية ودولة براغماتية
جدد أمين عام حزب المؤتمر العراقي اعتزازه بهويته وانتمائه الروحي والمذهبي، مؤكداً أن هذا الانتماء لا يتعارض مع الحاجة الماسة لبناء دولة براغماتية حديثة. وأشار إلى أهمية إدارة مصالح العراق العليا بواقعية ومسؤولية بعيداً عن التخندقات، لتكون دولة تحترم تنوعها ومرجعياتها وتتعاطى مع المجتمع الدولي بمرونة.
وحول القوة العقائدية المتمثلة بالفصائل المسلحة، اعتبرها رادعاً وعمقاً يمنح العراقيين سبب الوجود، لافتاً إلى أن تراجع التهديدات الوجودية دفع بعض الأطراف لتسليم سلاحها للدولة دون الانجرار إلى أي صدام داخلي.
إفلاس وشيك وفرص مهدورة
دق حبيب ناقوس الخطر إزاء الوضع المالي للبلاد، محذراً من إفلاس قد يضرب العراق خلال عام أو عامين نتيجة غياب الموازنات الحقيقية والاعتماد على مستشارين لم يقدموا حلولاً ناجعة. وطرح بدائل استراتيجية لتنويع مصادر الدخل، في مقدمتها استثمار الموقع الجغرافي الفريد للعراق ليكون محوراً رئيسياً في طريق الحرير.
كما اقترح حلولاً غير تقليدية لتعظيم الإيرادات، مثل تأجير مرافئ في كوريا الجنوبية وسنغافورة لتخزين وتكرير النفط العراقي، لتجاوز الأزمات الاقتصادية الخانقة.
غياب دبلوماسي ولوبي واشنطن
تطرق الحوار إلى غياب الدور العراقي المؤثر في الساحة الإقليمية، حيث اعتبر حبيب أن التصعيد الأخير في المنطقة كان مضيعة للوقت، وأن العراق خرج منه بصفته المتضرر الأكبر أمنياً واقتصادياً.
وانتقد بشدة التهميش الدولي لبغداد في المفاوضات الإقليمية، داعياً إلى اختراق مراكز القرار في الولايات المتحدة عبر تأسيس لوبي عراقي فاعل بتمويل مدروس، لتغيير القرارات الاستراتيجية لصالح البلاد.
وربط نجاح الزيارات الحكومية إلى واشنطن بوجود شخصيات متمرسة تمتلك فهماً عميقاً لعقلية الإدارة الأمريكية، مثل وزير الخارجية فؤاد حسين.
سرقات مليارية وأموال مدفونة
فتح آراس حبيب ملف الفساد بشفافية قاسية، واصفاً ما يجري بأنه مرض نفسي يدفع الفاسدين لاكتناز الأموال ودفنها تحت الأرض بدلاً من استثمارها في مشاريع تنقذ المحافظات المحرومة.
وكشف عن تقديرات صادمة لعمليات التهريب والسرقة في مصفى بيجي، والتي تراوحت بين ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار خلال أربع سنوات.
ولمواجهة هذه الآفة، اقترح خارطة طريق تعتمد على أتمتة مؤسسات الدولة بالكامل للقضاء على الدفع النقدي والرشوة، ومنع تجزئة العقود الحكومية، وتشكيل لجان عليا تراقب العقود الكبرى بمشاركة الأجهزة الأمنية والمخابرات، لضمان أعلى درجات الشفافية.
مئة عام من العزلة
في ختام الحوار، أعلن حبيب عن شعوره بالتعب والإرهاق من طبيعة المنظومة السياسية الحالية، ملوحاً برغبته الجادة في اعتزال العمل السياسي والتوجه نحو حياة ريفية هادئة.
ونفى أن يكون هذا الخيار تخلياً عن المؤتمر الوطني العراقي، بل هو إفساح للمجال أمام دماء جديدة لقيادة المرحلة. واستلهم حبيب رسالة بليغة من رواية “مئة عام من العزلة” للروائي غابرييل غارسيا ماركيز، ليؤكد أن الإرادة والاستطاعة هما المعيار الحقيقي للبقاء والتغيير، وأن الإنسان لا يموت حينما يريد، بل حينما يستطيع.
