روفان سروت
كاتب سياسي
إن الحملات الأخيرة لمكافحة الفساد والمساءلة في بغداد تتجاوز كونها مجرد إجراء أمني وقانوني روتيني؛ إذ يمكن إدراكها كنقطة تحول لإعادة بناء الدولة العراقية، والانتقال بها من نموذج المحاصصة إلى دولة المؤسسات.
وتتماشى هذه العملية تماماً مع الرؤية الغربية والأمريكية، التي ترى في استئصال الفساد شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار وإضعاف نفوذ الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون. ورغم أن الدعم الدولي لهذه الخطوات يتخذ طابعاً دبلوماسياً ومؤسساتياً أكثر من كونه توجيهاً مباشراً، فإن بناء دولة قوية في العراق يمثل قاسمًا مشتركاً بين التوجهين الداخلي والخارجي.
على المستوى الداخلي، يمثل بروز إرادة حقيقية لإبعاد السلطتين القضائية والأمنية عن ظلال الهيمنة الحزبية خطوة حاسمة لاستعادة سيادة الحكومة الاتحادية وهيبتها. وسيكون لهذا التغيير الجذري تأثير مباشر على معادلة العلاقات بين إقليم كردستان وبغداد؛ حيث إن التطبيق الحيادي للقانون من شأنه أن يوسع الصلاحيات الدستورية للمؤسسات الاتحادية في التعاطي مع ملفات الإقليم.
وفي هذه المرحلة، تواجه التجربة السياسية للإقليم أيضاً تحولاً معنوياً عميقاً؛ إذ لم تعد الشرعية التاريخية والثورية قادرة على العمل كدرع يحمي من مسألة المسؤولية القانونية والمؤسساتية. وبعبارة أخرى، لن يجدي الإقليم نفعاً بعد الآن الاعتمادُ على الخطاب القومي أو التذرع بمناهضة الحكومة الاتحادية له، لتبرير إدارة الحكم دون برلمان أو مؤسسات قانونية ورقابية.
إن معيار نجاح هذه العملية لا يقاس فقط بعدد الشخصيات والمسؤولين الذين تم اعتقالهم، بل يرتبط بمدى استقلالية المؤسسات، واسترداد الأموال العامة، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون بعيداً عن المبررات القومية والمذهبية. والأهم من ذلك كله، هو ضمان ديمومة عملية مكافحة الفساد وهدر المال العام.
ما يمر به العراق اليوم هو اختبار تاريخي لإثبات قدرة الدولة؛ فإذا أُديرت هذه الحملة كاستراتيجية وطنية ولم تتحول إلى أداة للصراع السياسي، فإنها ستكون قادرة على رسم خارطة طريق للحكم الرشيد في مستقبل العراق. وخلافاً لذلك، فإن استغلال هذه العملية لتصفية الحسابات والصراعات سيؤدي إلى نشوب أزمة دستورية أكثر عمقاً، وفقدان تام لثقة الشعب في النظام السياسي.
اشترك بنشرتنا البريدية
احصل على اخر واحدث الاخبار
